محمد بن زكريا الرازي
79
كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس
الآبار العميقة بالنهار ولا نراها وما بيننا وبينها كلّه هواء 9 - أمنير ، وأيضا فما بالنا إذا وضعنا جسمين على سهم الصنوبرة « 1 » وفي أقصاها واحد بعد آخر رأينا المنير ولم نر المظلم ورأينا الكبير ولم نر الصغير والقوة الباصرة ممتدة من العين إلى أقصى سهم الصنوبرة « * » والإحساس بها يكون . فكلّ هذا وأشياء أخر ستأتي من بعد يلزم المعتقد لرأى جالينوس . ثم إن جالينوس أخذ في تفسير أسماء يستعملها المهندسون في كلامهم في المناظر بتطويل واستلذاذ منه لذلك فمرّ في مرارة أمرّ من الصّبر وحصل في آخر كلامه هذا على قول تركنا لفظه لطوله وأخذنا معناه وهو أن مبصرا لو حال دونه ودون العين على طريقة سهم الصّنوبرة حائل لمنع إبصاره على قدر الحائل ، فإنّ الأشياء المبصرة إنما تبصر على خطوط مستقيمة ؛ فظهر ما قلنا فيه بديّا من ميله إلى رأى المهندسين وتقصيره عن رأى الطبيعيين : وذلك أنه أخذ يشرح ويقول في هذه المعاني ويستعملها « 2 » أكثر مما تستحق « 3 » ، حتى أنّى ذكرت في
--> ( 1 ) الصنوبر ( م ) و ( ص ) . ( * ) سهم الصنوبرة : إشارة إلى كون مبدأ خطوط الإبصار منضمّا ضيّقا وآخرها منتشرا واسعا وكان شكل جملتها في كل واحدة من العينين الشكل الصنوبري ، أعنى شكل حبّ الصنوبر الكبار وهو ما يوجب أن يكون الخطّان الوسطان من هذين الشكلين وهما المعروفان بالمحورين متساويين في الوضع ويكون ذهابهما على سطح واحد مسطوح حتى يدركا الشئ المبصر في موضع واحد بعينه - وإلّا لم يدركاه كليهما في موضع واحد . ( يراجع : العشر مقالات ، ص 95 ) . ( 2 ) يشغلها ( م ) . ( 3 ) يستحق ( م ) و ( ص ) .